أبو الليث السمرقندي

124

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

والآخر معناه : وَآيَةٌ لَهُمْ القمر عطف على قوله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ومن قرأ بالنصب ، فمعناه : وقدرنا القمر . وقال مقاتل في قوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يعني : قدرناه منازل في السماء ، يبدو رقيقا ، ثم يستوي ، ثم ينقص في آخر الشهر . وقال الكلبي : قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أي : قدرناه منازل بالليل ، ينزل كل ليلة في منزل ، ويصعد في منزل ، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه ، ثم يعود إلى أدنى منازله . ويقال : إن القمر يدور في منازله في شهر واحد ، مثل ما تدور الشمس في منازلها في سنة واحدة ، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون فرسخا مستديرة ، والشمس هكذا . وكان ضوؤهما واحدا ، فأخذ تسعة وتسعون جزءا من القمر ، فألحقت بالشمس . وروي عن ابن عباس أنه قال : القمر أربعون فرسخا في أربعين فرسخا ، والشمس ستون فرسخا في ستين فرسخا . وقال بعضهم : القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها . ثم قال تعالى : حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يعني : صار كالعذق اليابس ، والمنقرس ، الذي حال عليه الحول . ويقال : للقمر ثمانية وعشرون منزلا ، فإذا صار في آخر منازله ، دقّ حتى يعود كالعذق اليابس . والعرجون إذا يبس ، دق واستقوس ، فشبه القمر به . يعني : صار في عين الناظر كالعرجون ، وإن كان هو في الحقيقة عظيم بنفسه ، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقا . ثم قال عز وجل : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ يعني : أن تطلع في سلطان القمر . وقال عكرمة : لكل واحد منهما سلطان للشمس سلطان بالنهار ، وللقمر سلطان بالليل . فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يعني : لا يدرك سواد الليل ضوء النهار ، فيغلبه على ضوئه وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني : في دوران يجرون ، ويدورون ، ويقال : يَسْبَحُونَ يعني : يسيرون فيه بالانبساط ، وكل من انبسط في شيء ، فقد سبح فيه ، وقال بعضهم : السماء كالموج المكفوف ، والشمس والقمر ، والكواكب الدوارة يسبحون فيها وقال بعضهم : الأفلاك كثيرة ، مختلفة في السير ، تقطع القمر في ثمانية وعشرين يوما ، والشمس تقطع في سنة . وقال بعضهم : الفلك واحد ، وجريهن مختلف ، والفلك في اللغة كل ما يدور . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 44 ) ثم قال عز وجل : وَآيَةٌ لَهُمْ يعنى : علامة لكفار مكة على معرفة وحدانية الله تعالى ، أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ يعنى : آباءهم ، واسم الذرية يقع على الآباء والنسوة ، والصبيان ، وأصله